الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
415
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الطريف في هذا الأمر أن الهجرة - أي تلك الهجرة التي كانت لأجل حفظ النفس وحماية الشريعة الإسلامية - تعتبر مبدأ - أو بداية - التاريخ الإسلامي ، وهي بذلك تعد البنية الأساسية لكل الأحداث السياسية والاعلامية والاجتماعية للمسلمين . فلننظر لماذا انتخبت هجرة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مبدأ - أو بداية - للتاريخ الإسلامي ؟ إن هذا الموضوع جدير بالملاحظة ، لأننا نعلم أن أي مجموعة بشرية صغرت أو كبرت ، تتخذ لنفسها مبدأ أو بداية تاريخية تحسب منه تاريخها ، فالمسيحيون مثلا اتخذوا بداية تاريخهم السنة التي ولد فيها عيسى ( عليه السلام ) ، أما المسلمون فمع وجود أحداث مهمة كثيرة وقعت لهم قبل الهجرة ، مثل يوم ولادة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ويوم البعثة المحمدية الشريفة ، وفتح مكة ، ووفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لكنهم لم يتخذوا أي واحد من الأحداث مبدأ أو بداية لتاريخهم ، بل اعتبروا حادثة الهجرة وحدها بداية للتاريخ الإسلامي . إن التاريخ يقول أن المسلمين بدأوا يفكرون بتعيين بداية تاريخهم الذي له أهمية عامة وشاملة في زمن الخليفة الثاني الذي توسعت في عهده رقعة البلاد الإسلامية - وأن المسلمين بعد البحث الكثير في هذا الأمر ، اختاروا رأي علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) باتخاذ حادثة الهجرة النبوية الشريفة مبدأ وبداية للتاريخ الإسلامي ( 1 ) . والحقيقة أن هذا الاختيار كان هو المتعين ، لأن الهجرة كانت أهم والمع حدث أو برنامج حصل للإسلام ، وكانت الهجرة مبدأ فصل جديد مهم في التاريخ الإسلامي ، فالمسلمون حين وجودهم في مكة كانوا يمارسون تعلم شؤونهم
--> 1 - تاريخ الطبري ، الجزء الثاني ، ص 112 ، ويجب التنبيه إلى وجود رسائل من أيام الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، مذيلة بالتاريخ الهجري . راجع كتاب ( مكاتيب الرسول ) للأحمدي .